ثلاث سنوات مرت على ذلك الصباح المجيد الذي أيقظ في وجدان الأمة شعور العزة والكرامة بعد أن طمر تحت أكوام من الهزيمة و الذل والمهانة، صباح السابع من أكتوبر 2023، حين اخترقت كتائب المقاومة الباسلة بقيادة القسام جدار الفصل العنصري والتحصينات اليهودية في ما يعرف بغلاف غزة، والتي بدت بفعل الدعاية الصهيونية أنها عصية على الاختراق، وانهارت في ساعات قليلة تصورات أمنية وسياسية قامت عليها إسرائيل، وثبت للعالم مدى هشاشة مقولة " الجيش الذي لا يقهر" و أنها لا تستقيم أمام إرادة شعب ينشد الحياة بطلبه للموت و يسعى للعزة باستقامته على الجهاد .
أنه السابع من أكتوبر اليوم الذي قسم العالم شطرين، فالعالم ما بعد هذا التاريخ لا يشبه البتة العالم قبله، فقد تغيرت الموازين، وظهرت الأنظمة والسياسات على حقيقتها، وتمايز الحق عن الباطل ، بين طائفة مؤمنة مرابطة بغزة في أكناف بيت المقدس ومن ناصرها بالسلاح والمال والدعاء ، وبين قوى الظلم والطغيان ومن مشى في ركابها من المتصهينين العرب وغيرهم ، ومن الأذلة الجبناء الذين استمرأوا الذل و الهوان خوفا من أن تصيبهم الدائرة.
كان لعملية طوفان الأقصى التي انطلقت مع بزوغ فجر الحرية في ذلك اليوم العظيم، تأثير بالغ على المنطقة بأسرها، فقد زلزلت الأرض من تحت الكيان الصهيوني الغاصب، ودقت اسفينا في نعشه ، واوقدت شرارة ازالته، وعرت وجوه الصهاينة العرب الذين طالما أخفوا حقيقتهم خلف شعارات السلام الشامل و الاستقرار، وأعادت تشكيل الوعي الجمعي في العالم ، نصرة للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
على إثر ذلك اليوم المشهود، شنت إسرائيل وحلفاءها حربا وحشية، دمرت غزة عن بكرة أبيها، وارتكبت أبشع الجرائم ضد الانسانية من غير رادع ولا حسيب ، ولم تقف الحرب عند حدود غزة، كما كان يظن المتخاذلون من أهل الضفة و دول الشرق الأوسط، بل تجاوزت بكثير حدود غزة والمعقول، وتحولت إلى زلزال سياسي وأمني امتدت ارتداداته إلى الضفة و لبنان واليمن وسوريا وإيران، وصولا إلى إعادة طرح أسئلة كبرى حول مستقبل الشرق الأوسط والنظام الدولي.
لم يكن السابع من أكتوبر مجرد تاريخ جديد في روزنامة الصراع؛ لقد أصبح فاصلا بين شرق أوسطين: شرق كان الصراع فيه يتجه نحو الخبوت و الانصياع للسلام المفروض من الهيمنة الصهيونية، وشرق وجد نفسه أمام عمليات بطولية أيقظت جذوة الصراع من جديد، وأقدحت في ذهن الأمة فكرة امكانية دحر الاحتلال الصهيوني وتحرير القدس.
وبينما تحل الذكرى الثالثة اليوم، لا تبدو الأسئلة التي أثارها ذلك الصباح أقل إلحاحاً: ماذا بقي من صورة إسرائيل التي لا تخترق؟ كيف تغيرت موازين القوى في المنطقة؟ وإلى أي حد أعاد الصراع تموقع القضية الفلسطينية في الحسابات الدولية؟ وهل كان السابع من أكتوبر خطوة استراتيجية صحيحة، أم أنها بطولة غير محسوبة استغلت من قبل الصهاينة لتدمير غزة و اجتثاث بؤر المقاومة في المنطقة؟
السؤال الأخير يطرح بقوة، من قبل صنفين من الناس؛ صنف المتصهينين الذين يدفعهم عدائهم الشديد للتيارات الاسلامية وبالذات حركة الاخوان المسلمين إلى محاولة تفنيد والتشكيك في جدوائية أي عمل يصدر عن هذه الجماعات؛ وهؤلاء لا ينظر إليهم و لا لكلامهم وهم مجرد مرجفين بارت بضاعتهم الدعائية بسبب السابع من اكتوبر ذاته ، والصنف الآخر من التعقلين ، المشغولين بالحسابات و المآلات، الذين يرون أن حماس كان عليها أن تحسب العواقب قبل تنفيذ العملية، وأنها لو قدرت، مسبقا ما تم من كوارث و تدمير شامل لغزة و اجتثاث لبعض جيوب المقاومة ، لما أقدمت على تنفيذ طوفان الأقصى؛ على هؤلاء أن يعوا أن اسرائيل بقيادتها المتطرفة، كانت ستقوم بتنفيذ مشروعها التدميري للمنطقة، لو لم تقم حماس بهبتها البطولية في السابع من اكتوبر، والتقارير الاستخباراتية اوردت ذلك مرارا، وأن الفلسطينيين لم يكون في نعيم قبل الطوفان، بل كان العدو الصهيوني يسومهم من اصناف التنكيل اليومي الكثير، وليس حاضرهم بأسوأ من أمسهم.
إن أهمية عملية طوفان الأقصى ودورها البارز في إعادة بوصلة الصراع ، لا يمكن نكرانها، كما أن هذه العملية، وضعت الكثير من المعايير السياسية على محك الحقيقة وزيفتها في عيون العامة، وجعلت الرأي العام العالمي والغربي بالذات يراجع تصوراته عن القضية الفلسطينية، وبدأ ينتقض إسرائيل وتصرفاتها لا انسانية علنا؛ والحقيقة التي لا يمكن طمسها والتي تهمنا كأمة، أن حماس بإطلاقها للطوفان كتبت السطر الأول في نهاية إسرائيل.
ثلاث سنوات، وما زال صباح السابع من اكتوبر حاضرا في حسابات العواصم الكبرى، وفي وجدان عالم اسلامي تغيرت أمامه، منذ ذلك اليوم، أبجديات الصراع و إلى الأبد ، وبات يدرك بحتمية تأجيجه حتى يمتاز الحق عن الباطل وتعود الأمة لسابق عزتها وسؤددها.
لكن في النهاية، لا ينبغي للسابع من أكتوبر أن يتحول، مع مرور السنوات، إلى صفحة أخرى في سجل طويل من الملاحم التي تحفظها الأمة في ذاكرتها للتندر و الافتخار بأمجاد الماضي.
فالقيمة الحقيقية لهذه الذكرى ليست في استحضار ما جرى فحسب، بل في إبقاء ما كشفته من حقائق حاضرا في الوعي.
فالمعارك لا تحسم بالذاكرة وحدها، ولا تنتصر القضايا حين تتحول ملاحمها إلى حكايات للتندر والاستذكار، بل حين تتحول دروسها إلى وعي، وتضحياتها إلى إرادة، وأثمانها إلى قوة تدفع نحو الغاية المنشودة. ومن هنا، فإن الوفاء للسابع من أكتوبر لا يكون بتقديسه كحدث من الماضي، وإنما باستلهام دروسه والاستمرار في مواجهة تداعياته، حتى لا تطويه الأيام قبل أن تصل القضية إلى غايتها.
سيبقى السابع من أكتوبر، بهذا المعنى، أكثر من تاريخ في التقويم؛ إنه اختبار مستمر لذاكرة أمة: هل تحفظ ملاحمها لتتغنى بها، أم تستحضرها لتبني عليها طريقها نحو المستقبل؟
السابع من أكتوبر الزلزال الذي أعاد تشكيل الحقائق واظهر زيف المفاهيم الانسانية \ محمد العتيق
