مع حلول كل خريف يستبشر الموريتانيون بتباشير الغيث ونسماته اللطيفة، وتهفو قلوبهم نحو ربوع تلتحف الخضرة وتتزين بقطرات المطر، منذ سنوات وفي كل عام تتحول هذه اللوحة الشاعرية إلى مفارقة موجعة في تفاصيل الحياة اليومية، فبينما تبرق السماء برحمة الغيث، تظلم البيوت بفعل انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة؛ ليجد المواطن نفسه يصارع اشداد الحر، وينظر بأسى إلى مؤونته الغذائية من لحوم وخضروات والتي أفسدها انقطاع التيارالكهربائي المفاجئ و المتكرر، وأجهزته الكهربائية التي أطفأها العجز البنيوي في الخدمة العمومية ، إنها حكاية خريف يفتح الأمل بطبيعته الخلابة ، ويغلقه بيأس الممارسة الخدمية السيئة، في مشهد تختلط فيه فرحة المطر بمرارة العتمة.
مع احتكار شركة صوملك للكهرباء وسوء خدماتها ، تعود المواطن البسيط في أحياء نواكشوط الشعبية و ضواحيها على الانقطاع المتكرر والمفاجئ للتيار الكهربائي؛ فبين الفينة و الأخرى تشتد تذبذبات التيار بين السيلان والاختفاء عشرات المرات مما تسبب في تلف الاجهزة وزاد من تذمر المواطنين وحنقهم على هذه الشركة وخدماتها السيئة.
المشكلة الحقيقية ليست في حدوث عطل طارئ؛ فالأعطال أمر طبيعي في أي منظومة كهربائية، المشكلة تبدأ عندما تتحول الأعطال إلى نمط متكرر، والانقطاعات إلى واقع مألوف، والحلول المؤقتة إلى سياسة دائمة، والمواطن الذي يدفع فاتورة الكهرباء لا يريد كثيراً من التبريرات؛ بل يريد خدمة مستقرة.
شُغل المواطن المتعطش والشغوف بالاستجمام و الراحة عن أجواء الخريف هذا العام ، بأزمة كادت تقتل منظومة الكهرباء في البلاد في مقتل ، فقد تسبب حريقين شبه متزامنين في محطتي تحويل كهربائيتين في العاصمة نواكشوط إلى أزمة خانقة، شغلت الرأي العام وفاقمت يأس المواطن من منظومة البلاد الخدمية ككل، ودفعته للسؤال عن مصير الاستثمارات الطائلة التي ما فتأت الحكومة تعلن عنها لتطوير منظومة الكهرباء في البلاد، ومع غياب الشفافية في عرض المعطيات، ترك المواطن العنان للشائعات و التكهنات التي علقت هذه الأزمة وغيرها على شماعة الفساد المستشري .
تعد أزمات الكهرباء في البلاد واحدة من أكثر المجالات التي تكشف الفرق بين الخطط المكتوبة والواقع المعيش، فقد تعلن الجهات الرسمية عن مشاريع جديدة، وتظهر أرقام عن قدرات إنتاجية إضافية، وتقدم وعود بتحسين الشبكة، لكن المواطن لا يقيس النجاح بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بما يصل إلى منزله من تيار مستقر.
وهنا تكمن المفارقة: يمكن أن تكون هناك منشآت ومحطات وشبكات ومولدات بملايين الدولارات، ومع ذلك يشعر المواطن أن الكهرباء ما تزال خدمة هشة وسيئة، والسبب في نظره يكمن في سوء التسيير وعدم كفاءة الانفاق وقلة جودة تنفيذ المشاريع و استدامتها .
إن تفاقم أزمات الكهرباء بات يحتم اعتماد خطط اصلاح ناجعة تنفذ بروح الإرادة الصادقة وبضمير حي وقاف أمام الدين و القانون، نحتاج إلى رقابة مستقلة وفعالة على الصفقات، وتدقيق دوري للمشاريع، ونشر نتائج التحقيقات، ومحاسبة المقصرين عند ثبوت المسؤولية، وربط الإنفاق بالنتائج، واعتماد معايير واضحة في اختيار الشركات والموردين.
ومع أن التحول نحو الطاقات المتجددة يمكن أن يشكل فرصة مهمة لتقليل كلفة الإنتاج وتنويع مصادر الطاقة، لكن نجاح هذا التحول يظل مرتبطاً بمدى صرامة الحوكمة والشفافية في المشاريع والاستثمارات.
فلا معنى لمحطة شمسية ضخمة إذا كانت تكلفتها مبالغاً فيها، ولا معنى لشبكة جديدة إذا لم تخضع للصيانة، ولا معنى لمشروع واعد إذا تحولت موارده إلى أبواب للإنفاق غير الرشيد.
من حق المواطن أن يرى النور، فالكهرباء ليست امتيازا، وليست منة من أحد، إنها خدمة أساسية وشرط من شروط الحياة الحديثة والتنمية الاقتصادية.
ومن هنا، فإن معركة إصلاح قطاع الكهرباء يجب ألا تكون معركة ضد مؤسسة أو مسؤول بعينه، وإنما معركة من أجل منظومة أكثر شفافية وكفاءة ومساءلة.
فحين ينطفئ التيار، لا ينطفئ الضوء وحده؛ تتعطل أعمال، وتتوقف آلات، وتتضرر مصالح، ويتراجع شعور المواطن بالثقة.
وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: متى ستعود الكهرباء؟
بل متى تعود الثقة؟
فالكهرباء يمكن أن تعود بضغطة زر، أما الثقة التي أطفأتها سنوات من الاختلالات وسوء الإدارة، فلا يعيدها إلا الإصلاح، والشفافية، والمساءلة، ووضع حرمة المال العام فوق كل اعتبار.
محمد العتيق
