الدعوة لمأمورية ثالثة: حين يستدعى الدستور ليهان باسم "إرادة الشعب"

كلما اقتربت موريتانيا من محطة سياسية مفصلية، يطفو على السطح سؤال واحد يتكرر بصيغ مختلفة: "من يحكمنا غداً؟" لكن الأدهى أن يتحول هذا السؤال المشروع إلى ذريعة لالتفاف منظم على الدستور.
اللافت في الحملة المتصاعدة هذه الأيام ليس حجمها، بل توقيتها وبنيتها. بيانات متطابقة الصياغة تقريباً، تصدر عن سياسيين وأحزاب موالية ومنتخبين، تتحدث كلها عن "خيار الشعب" و"المهمة التي لم تكتمل"، وكأن هناك يداً واحدة تحرك خيوطا متعددة. هذا التماثل في الخطاب لا يوحي بعفوية شعبية متصاعدة من القاعدة، بل يوحي بخطة سياسية تبحث عن غطاء شعبي لقرار برم بليل.
والمفارقة أن أصحاب هذه الدعوة أنفسهم يتهربون من مواجهتها مباشرة؛ فتراهم ينفون كونها "حملة منظمة" في الوقت الذي يأتي فيه البيان تلو البيان من كل زاوية في البلاد، وكأن التنسيق يمكن أن يخفى بمجرد التصريح بغيابه.
يكفي أن نذكر بما هو بديهي: الدستور ليس نصاً مطاطياً، ويحصر الترشح الرئاسي في مأموريتين، ولا لبس في هذا الحكم ولا اجتهاد ممكن فيه. حين يُقترح "حوار وطني" أو "تعديل دستوري" كمدخل لتجاوز هذا السقف، فإن المسألة تتجاوز الشكل القانوني لتصل إلى جوهر العقد الاجتماعي نفسه. فالدستور ليس أداة تطوع كلما ضاق بها طموح سياسي، بل هو الضمانة الوحيدة التي تمنع تحول الدولة إلى ملكية شخصية متجددة بالتزكية.
وقد أصاب من وصف هذه الدعوات بأنها "إساءة للرئيس نفسه" قبل أن تكون إساءة للديمقراطية؛ ذلك أن التلويح بولاية ثالثة يضع الرئيس، حتى لو لم يطلبها، في موقع من يشتبه بأنه يتحين الفرصة للانقضاض على المكتسب الديمقراطي الأهم في تاريخ البلاد الحديث: التداول السلمي للسلطة الذي تحقق أخيرا بعد عقود من الانقلابات.
موريتانيا جربت من قبل سيناريو "الحاجة إلى الاستمرارية" حين رفع الشعار ذاته في عهد الرئيس السابق، قبل أن يطوى الملف تحت ضغط الرفض الشعبي والنخبوي. 
عودة الشعار اليوم، ليست تطورا بريئا في المزاج السياسي، بل هي اختبار لمدى قدرة الذاكرة الجماعية على المقاومة، ومدى استعداد النخبة الحاكمة لاستنساخ تجربة "مجها الموريتانيون" - كما وصفها أحد الرافضين من داخل معسكر الموالاة ذاته، وهو ما يمنح هذا الرفض مصداقية إضافية لا يملكها معارض تقليدي.
ثمة سؤال لا يقل أهمية عن السؤال الدستوري: لماذا الآن؟ الاتهامات المتبادلة بين أطراف الموالاة نفسها حول من يقف خلف "تحريك" هذا الملف تكشف أن المسألة قد لا تتعلق بالرئيس الحالي بقدر ما تتعلق بصراعات أجنحة تسعى لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، أو لفتح نقاش مبكر يشغل الساحة السياسية عن ملفات أكثر إلحاحا؛ الإصلاح الاقتصادي، غلاء المعيشة، أزمات النقل والخدمات التي يعاني منها المواطن يومياً. 
حين يتحول النقاش الوطني من "كيف نصلح؟" إلى "من يبقى؟"، تكون الكلفة الحقيقية قد سددت مسبقا من رصيد الإصلاح المؤجل.
الدفاع عن سقف المأموريتين ليس موقفا من شخص الرئيس غزواني، بل هو دفاع عن مبدأ أكبر من أي فرد: أن السلطة في موريتانيا تستعار لأجل محدد ثم ترد، لا أن تستملك وتبرر إطالتها بلغة "إرادة الشعب" التي كثيرا ما استعيرت تاريخيا لتبرير عكسها تماماً.
للإنصاف، من العدل الإشارة إلى أن أصحاب دعوة المأمورية الثالثة يقدمون حججهم الخاصة: أن أي تعديل دستوري يمكن أن يمر عبر استفتاء شعبي مباشر يمنحه شرعية جديدة، وأن دستور 2006 نفسه لم يستفت عليه الشعب بصورة كاملة الحرية وقت إقراره فما المانع من إعادة النظر فيه اليوم عبر حوار وطني شامل، وأن استمرار غزواني - في نظرهم - يمثل ضمانة للاستقرار واستكمال مشاريع تنموية لم تكتمل. هذه حجج يطرحها أصحابها بجدية، وإن كانت أغلب القوى السياسية، بما فيها أحزاب من داخل صف الموالاة نفسه، ترفضهاk وتعتبرها مساساً بمكسب ديمقراطي.
لكن في النهاية تصريح رئيس الجمهورية أمام سكان أطار، في معرض حديثة عن الجمهورية التي يريد ، قد يضع حدا للجدل لتتجه الدعوة أثناء الحوار المرتقب بشكل صريح نحو تغيير الدستور ، فقد قال بصريح العبارة "  أن الحوار الوطني المرتقب مرتبط بسؤال أوسع حول «موريتانيا التي نريدها» لا يستهدف إعادة تعريف الوطن أو المساس بأسس الجمهورية، وإنما بتحديث العقد الوطني بما يستجيب لتحولات المجتمع وتطلعات الأجيال الجديدة

محمد العتيق