من خباء بأطراف الرياض إلى قبة البرلمان \ حابي بنت رباح: رحلة امرأة من الرق إلى مقعد التمثيل الشعبي

من نائبة كانت حاضرة في المشهد البرلماني بتصريحاتها ومواقفها المثيرة للجدل، إلى وجه جديد يستعد لدخول قبة البرلمان، تتغير الأسماء، لكن الأسئلة تبقى منصبة حول ما تحمله التجربة الجديدة من ملامح وما يمكن أن تضيفه إلى المشهد التشريعي، رغم صدورها من نفس المنبع

هي النائبة التي يفتح لها شغور المقعد أبواب المؤسسة التشريعية، لتبدأ من حيث انتهت تجربة سابقتها، حاملة معها مسارا مختلفا.

فمن تكون هذه النائبة؟ وما الذي يميز مسارها؟ وكيف وصلت إلى مقعد البرلمان؟ والأهم… ماذا يمكن أن تضيف إلى مؤسسة يفترض أن يكون صوتها مرآة لانشغالات المواطنين؟

من قاع المجتمع إلى قمة هرم التمثيل

تحت خباء صغير نصب على ربوة بين أخبية وبيوت متناثر على غير هدى في الطرف القصي من مقاطعة الرياض حيث يقل الماء وتخبت الكهرباء، سمعت السيدة حابي بنت رباح خبر دخولها إلى البرلمان لشغر مقعد النائبة مريم الشيخ التي تم سحب عضويها، بعد مسار قضائي أثار الكثير من الجدل.

لم تكن حابي السيدة المثقلة بالهموم تتصور أنه مكتوب لها في القدر الانتقال  من قاع الحياة الاجتماعية إلى مصاف الطبقة العليا ومن براثن التهميش إلى قمة هرم التمثيل الشعبي في البلاد، حتى إن المستمع إلى حديثها يكاد يلمس قلة وعيها بماهي مقبلة عليه أو أن ما عاشته من مآسي يكبل فكرها البسيط عن استيعاب ماجنته من نضالها السياسي.

أربعون عاما من المعاناة

تقف السيدة حابي اليوم على عتبة البرلمان لترمي وراءها قرابة أربعين عاما من المعاناة، تصف بدايتها بكثر من المرارة و الأسى، عاشت طفولتها في التنقل رعيا للغنم في ضواحي المذرذرة، في ظل نير العبودية بأبشع صورها كما تقول، إذ أمضت في ربقة العبودية قرابة ثلاثين عاما متقلبة في شتى انواع الاستغلال الجسدي من رعي الغنم المتعب ، و السير في الهواجر ، وجلب المياه من الآبار العميقة؛ فكرت مرات عدة في الهرب لكن خوفها من المجهول كان يثني عزيمتها ويقعد بهمتها عن الهرب.

رياح التحرر وأخ لم ييأس

 مع هبوب رياح التحرر والحراك الحقوقي في البلاد بدأت بوادر الأمل في تحطيم سلاسل الاستغلال تتبلور ، كما تقول السيدة حابي ، حينها تحرك أخوها السيد بلال وتواصل مع بعض الحقوقيين الناشطين في مجال الدفاع عن الأرقاء السابقين.

وفي يوم من أيام شتاء 2008 وأثناء رحلة رعي في فيافي شمامة ، تنبهت السيدة حابي إلى أصوات سيارات قادمة من بعيد ، ارتابت فيها بسبب فطنة اكتسبتها من وحدتها ودوام صحبتها للغنم، عند عودتها بالغنم نهاية ذلك اليوم ، وجدت المخيم قد ضج بالهرج و المرج سيارات كثيرة، وأناس كثر، ميزت ملاح أخيها بلال  من بين أربعة رجال أو خمسة يجلسون وسط الخيمة الكبيرة من ضمنهم من يلبس ملابس عسكرية .

تلقاها سيد المخيم على غير العادة بالأحضان  والترحيب  مما زاد في ريبتها من الوضع، سألها الوفد الحقوقي عن ظروفها وهل هي مستغلة جسديا أم لا؟ فأجابت بسبب خوفها كما تقول، بأنها ليست "خادمة " ورفضت الذهاب معهم.

بعد قرابة ستة أيام من مغادرة الحقوقيين خاليي الوفاض، بدأ السيد بلال مجددا في البحث عن وسيلة لتحرير أخته ، فنظم رحلة جديدة مع الحقوقي بيرام الداه اعبيد ، وفي تكنت اصطحبوا معهم أفرادا من الدرك، ودخلوا المخيم على حين غرة ، وبعد مشادات في الكلام وأخذ ورد ، استطاعوا اصطحاب السيدة حابي معهم إلى نواكشوط.

الحرية ليست نهاية الطريق

في نواكشوط بدأ مشوار جديد من المعاناة بسبب مخلفات الاسترقاق كما تقول النائبة حابي، عند مقدمها وجدت موطئ قدم لها في المنكب الشرقي من مقاطعة الرياض في كنف زوج لم تسعفها حياته القصيرة في الحصول على جزء ولو بسيط من قطعة الأرض  التي سكنت معه فيها، لتنتقل إلى الطرف القصي من المقاطعة بين التلال و القيعان هناك نصبت خيمتها واستطاعت شيئا فشيئا تشييد غرفة ومرافق وكوخ.

من الخياطة إلى العمل النضالي

عملت النائبة حابي في خياطة الملاحف و بيع بعض المنتجات والبضائع الزهيدة لأفراد الحي ، عندها بدأت مشوارها النضالي وبدأت تتعرف شيئا فشيئا على الحياة السياسية وانخرطت في صفوف حركة إيرا ، و السير في ركاب بيرام الداه اعبيد زعيم الحركة ، لتجد نفسها وبعد سنوات من النضال وبشكل مفاجئ تدخل البرلمان نائبا للشعب، ضمن لائحة انتخابية لا تعرف حتى ترتيبها فيها.

تجربة صقلتها المعاناة

قد تبدو الجمعية وهي تقبل على دورة برلمانية  جديدة، عادية في مظهرها،  لكنها هذه المرة تستقبل حكاية امرأة قطعت الفيافي خلف قطيع لا تملكه، ثم عبرت من ظلمة القيد إلى عتبة المؤسسة التي تسن فيها القوانين.

لا تحمل حابي إلى القاعة شهادات ولا خطبا منمقة، بل تحمل ما يعجز عنه كثيرون: ذاكرة لا تحتاج إلى مراجع، وتجربة صقلتها  المعاناة مع العطش والخوف والتهميش.

ويبقى السؤال الذي بدأ به هذا الربورتاج مفتوحاً، تجيب عنه الأيام لا السطور: هل ستكون هذه النائبة مرآةً تعكس وجوه من نسيتهم الخرائط في أطراف الرياض وأخواتها؟.