الموكب والكاميرا: حين تصير الجولة بديلا عن المساءلة\ محمد العتيق

في عرف السلطة اليوم مشهد صار مألوفا حد الملل: موكب يقف عند ورشة، وسترة ترتدى أمام العمال، ومسؤول يومئ برأسه لمهندس يشرح مخططا لا يحتاج إلى شرح. ثم تعلو الصور وتتداول وكأن الجولة انجاز.
وفي بلد ينتظر أهله منذ سنين أن يروا أثر الوعود واقعا ملموسا، يصبح السؤال مشروعا: هل ما نراه رقابة أم عرض مسرحي؟
نعترف بأن الجولة الميدانية، إن أحسن استعمالها، أداة نافعة، فالأرض لا تجامل والتقارير قد تزور؛ ولكن الاعتراف بقيمة الجولة لا يعفينا من مساءلة من يجريها؛  والمحك هنا واضح: ما الذي تغير بعد الجولة؟ وهل رأى المواطن مقاولا حوسب على تأخره في انجاز المشروع الذي أوكل إليه أو على إخلاله بشروط الالتزام، أو مسؤولا أقيل بسبب تقصير ظاهر للعيان؟ فإن لم يتغير شيء، فقد كانت الجولة استعراضا أمام العامة، حتى لو سميت رقابة.
وأوضح علامات الاستعراض أن الزيارة تكون معلنة سلفا. فمن يعلم بقدوم الموكب يطلي الجدار ويكنس الطريق ويبعد ما يحرج. وعندئذ لا يرى المسؤول الواقع، بل يرى النسخة المهيأة له. والرقابة التي تعلن مواعيدها كامتحان يعرف الطالب أسئلته قبل أن يدخل القاعة، فلا غرابة أن تأتي النتائج ممتازة والواقع على حاله.
وثمة ما هو أخطر: أن الجولة تمنح شعورا زائفا بالإنجاز. فيكفي أن يظهر المسؤول بين العمال ليقال إن الملف يتابع، بينما قد لا يكون أحد يتابعه بعد انصراف الكاميرات. وهكذا تتحول الجولة من وسيلة لكشف الخلل إلى وسيلة لتغطيته، إذ تضع على الإخفاق ختم «المتابعة الميدانية» فيصعب بعدها الاعتراض عليه.
ومما يلاحظ أيضا أن الرقابة الجادة قليلة الضجيج. فهي ملفات وأرقام وتقارير مفتشية ومحاضر استلام وعقوبات تنشر. أما التي يسبقها الإعلان وتتبعها البيانات المصورة فتشير إلى أن الغاية رسالة سياسية: أن الحكومة تعمل. وحق الحكومة في إيصال رسالتها لا ينكر، لكن الخلط بين الرسالة والرقابة هو الذي ينكر، لأن الأولى تخاطب الجمهور والثانية تحاسب الجهاز.
ولا يغيب عن البال أن تفقد الوزير الأول للورش بنفسه، دليل على ضعف أجهزة الرقابة الدائمة، لا على قوة الحكومة. ففي الدول المنظمة يتفقد المفتش وتحاسب الهيئة ويكتب المراقب تقريره، ولا ينتظر أحد أن يرى الوزير الأول الحفرة بعينه ليصدق أنها موجودة.
فلتكن الجولات إذن في موضعها: بداية إجراء لا نهايته. ومن أراد أن يصدق فليقدم ما يقاس: جدولا بالآجال، ونتائج ملاحظاته، وأسماء من قصروا وما جرى لهم، وتاريخ العودة للتحقق. وما لم يحدث ذلك فسيبقى المواطن يرى الموكب ويحفظ الصور، ويسأل بصمت لا يلتقطه أحد: أين ذهبت الملاحظات بعد أن انصرفت الكاميرا؟